اسم المستخدم
كلمة المرور
فكرة ممتازة
فكرة جيدة
فكرة سيئة
فكرة تستحق الدراسة
 

 

عبد الرحمن المريخي :

«ليلة النافلة» لم يكن مجرد عنوان لمسرحية كتبها واخرجها عبد الرحمن المريخي عام 1975 للطفل السعودي، تتحدث عن روح الجماعة وأهميتها في العمل، وإنما كانت أولى اللبنات التي وضعت لبناء مسرح الطفل في المملكة العربية السعودية. هدف حمله المريخي وأعطاه من مسيرته الحياتية 30 عاما، لينسج حلما ورديا يصل به إلى السماء كل ليلة عندما يغفو على وسادته.


لم يكن المريخي، الأب الروحي لمسرح الطفل، يحلم فقط بإضحاك تلك الوجوه الصغيرة بملامحها البريئة الجالسة على مقاعد، قد تكون أكبر منها حجما، لأنها لم تجد مسرحا يخصها، بل كان همه أن يجعلها تلامس قضاياها؛ لأنها أجيال الغد التي بها يبنى الوطن، لذلك كتب المريخي لهم مسرحيات تناسب مداركهم الطفولية ومخيلتهم الصغيرة، كما أشار ناصر الخطيب في كتابه «مدخل إلى دراسة المسرح في المملكة العربية السعودية». كتب المريخي للطفولة مسرحيات كـ«نصر البواكير» و«الحل المفقود»، وهو لم يكتف بكتابتها بل قام بإخراجها بنفس المبدع الذي حرص على عقل الطفل، وهو يشاهد شخوصه تتحرك على مسرحه. وتوالت المسرحيات التي ألفها وأخرجها المريخي، فقدم «قرية اسمها السلام» و«إنهم لا يعرفون اليأس» و«ولد الفريج» و«اليتيم» وكذلك «ابن آدم قادم»، وهي عمل درامي غنائي و«الطائر الذهبي»، وغيرها من المسرحيات، ليكون بذلك أول من أسس مسرحه بأحلامه لا في المملكة العربية السعودية فحسب، بل في الخليج العربي. وكما يقول الخطيب في كتابه «قد يدهش الباحث أو القارئ إذا عرف أن في المملكة العربية السعودية مسرحا للطفل، وقد وقف خلف هذا المسرح وساهم فيه ودفعه إلى الاستمرار والتطور فنان سعودي أصيل، نذر حياته لهذا العمل، فهو الذي أرسى دعائمه، وهو الذي يكتب نصوصه، وهو الذي يدرب الأطفال ويخرج المسرحيات أيضا، هذا الفنان هو الأستاذ عبد الرحمن المريخي». وهو صاحب فكرة المسرح الملحمي للطفل، بحسب قول رفيق مشواره عبد الرحمن الحمد، إذ «خلال أكثر من 30 عاما مع المسرح، حرص على أن يقدم تجربة المسرح الملحمي للطفل، وهي تجربة مسبوقة في الوطن العربي، ومن أهم المسرحيات التي قدمها مسرحية «سوق الحمير» من تأليف الكاتب المعروف توفيق الحكيم».

المريخي كان عملاقا داخل أعماق أصدقائه من المسرحيين، لأنه كان إنسانا بالدرجة الأولى، وتتجلى إنسانيته حينما تغدو ابتسامته المضيئة على ملامح قامته المتواضعة، وهي تمد يديها تصافح التجارب المسرحية والمواهب، وقبلها الطفولة التي كان وفيا لها، بعد أن أصبح وهو في العشرين من عمره مدرسا في إحدى مدارس مدينة الاحساء، ألم يردد دائما تلك المقولة «اعطني مسرحا أعطك شعبا مثقفا». الابتسامة التي صادقت محياه لم يتخل المريخي عنها حتى بعد مرضه، قال ذات مرة «سأحافظ على أن تظل ابتسامتي مضيئة كي لا يشعر أحد بحجم الألم الذي أعانيه، وحتى لا أترك للحزن طريقا يخطو بقدميه تجاه وجوه أهلي وأصدقائي»، قالها بحجم التفاؤل الذي كان يمتلكه، لكن «السرطان» تسلل خلسة إلى أمعائه ثم إلى جسده حتى اكتشفه وهو يسفك بخلاياه بعد ثلاثة أشهر لتبدأ رحلته مع المعاناة.

معاناته مع المرض، كانت رحلة شاقة استمرت عاما، أضيف إلى عمره الذي وصل إلى 53. وقد كان المريخي رئيسا لجمعية الثقافة والفنون بالاحساء، التي ساهم في تأسيسها منذ عام 1979 إلى أن أصبح مديرا لها عام 2000، ومن خلالها استقبل المواهب الشابة وأخذ بيدها، فكانت الجمعية تشهد نشاطا ثقافيا مثريا، وكما قال، بعد وفاته، الشاعر شاكر الشيخ «سنفتقده لما ترك من روح ألهمت الكثيرين منا في حب الفن وعشقه والإيمان به، فحين تضع يدك بيد المريخي تصبح نجما، لأنه من القلة النادرة التي تضع في أولويات اهتماماتها صناعة النجوم ودفع الآخرين الموهوبين إلى المقدمة من دون شعور بنقص».

ثلاثة عقود والمريخي يركض بين فصول مدرسته، وسط طلابه الصغار في مدينة النخيل بالأحساء، وأروقة جمعية الثقافة والفنون وعلى شرفات الورق وبين منابر القلم، جاء المرض العضال ليفجر قضيته وقضية المثقفين والفنانين قبله، ممن اختطفهم الموت بعد تسلط أنياب المرض عليهم ليعانوا من الإهمال، حتى صرخ المثقفون في المنطقة الشرقية، يتوسلون أحدا كي يأخذ بيد الرائد المبدع ويسهل إجراءات سفره للخارج. جاءت منحة ملكية سامية تتكفل بعلاجه على نفقة الحكومة، كما سارع الأمير سلمان بن عبد العزيز إلى توجيه وزارة الصحة للتسريع في إنهاء إجراءات سفره لألمانيا.

لكنه رحل نهار الجمعة 9 ديسمبر، وحمل معه الحلم الذي ينتظر من تلامذته وأبنائه المثقفين والفنانين إكمال المسيرة تجاه الطفولة. هذه المسيرة التي كرم على اثرها من جارتنا الخليجية، في المهرجان الرابع للفرق المسرحية الأهلية لدول الخليج، ولم يكرم من أجلها داخل أرضه. رحل المريخي قبل أن يسمع بأذنيه رئيس جمعية الثقافة والفنون بالمملكة محمد الشذي يعلن عن تكريم الجمعية له ضمن الرواد لجهوده الكبيرة، الأمر الذي لفت الانتباه إلى تساؤلات بليغة: أين كان التكريم خلال مسيرة 30 عاما، وأين هو خلال صراعه مع المرض الذي انذر بموته طوال عام، أم هل أصبح الموت شرطا لتكريم المبدع.. وقبل كل ذلك..هل سيهتم الموتى بهذا التكريم المتأخر؟!

رجوع

 

©Copyrights 2010 SAPDA